أثر الصحراء في نشأة الشعر العربي وتطوره حتى نهاية العصر العباسي الثاني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

m3 أثر الصحراء في نشأة الشعر العربي وتطوره حتى نهاية العصر العباسي الثاني

مُساهمة من طرف محمد زهران في الأربعاء يوليو 20, 2011 10:20 am


أثر الصحراء في نشأة الشعر العربي وتطوره حتى نهاية العصر العباسي الثاني

للصحراء على الإنسان فضل لا ينكر في توجيه حياته وفكره
وسلوكه، وهي مكان وظرف، ولكنها – على الرغم من ذلك – تركت أثرًا لا تمحوه
الأيام من ذاكرة الإنسان، في تكوين حياته، وبناء مجده وحضارته، والإنسان
ابن الصحراء تقلب في رحمها، وانطلق منها في تشييد حضارة الكون، وإضافة
لبنات أساسية في صرح شموخها وعطائها وتوجهها، أكسبته قسوة الصحراء قوة،
وبعثت فيه عزمـًا لا يلين، ومنحته الذهن الثاقب والذكاء المتوقد، وخلعت
عليه في اتساعها، واندياح جنباتها برود السماحة والكرم والخلق الرضي، فكان
ذلك الإنسان الذي ينسب إلى الصحراء في تألقه وتفرده وامتيازه ورضاه ..

والصحراء مكان فضفاض، يغيب فيه البصر الحديد، ويمتد أمامه الأفق واسعـًا
رحبًا حتى كأنه لا نهاية له . للصحراء في العين مجتلى ومتعة، وللنفس فيها
راحة وروحانية، وللفكر انبعاث وإبداع وتجديد . عرف العربيُّ الصحراءَ قبل
أن يعرف البحر، ورأى أديـمها قبل أن يرى زرقة الماء، ولامس أديـمها جلده
دون حائل، وجال في حزونها وسهولها، وسرَّح أنعامه في أفيائها، وشمَّ أريجَ
نبتها وأزهارها، واستنبط الماء من جوفها لذة للشاربين، وافتن في شؤون
الحياة وضروب العيش على ظهرها، وعاش – ما شاء الله له أن يعيش – وهو لا
يعرف شيئـًا سوى سهولها وجبالها ورمالها وأبارقها ورياضها وأوديتها
ووهادها، يضرب في أكنافها سحابة نهاره، فإن جنّ الظلام أوى إلى بيته
مستمتعـًا بنعيم الراحة ولذة الدفء، إن كان الوقت شتاءً، ولذة الجو المعتدل
والنسيم العليل إن كان الوقت صيفـًا ..

امتزج العربيُّ بالصحراء حتى غدت قطعة من نفسه، وجزءًا من حياته، فلا يرى
لغيرها بديلاً، ولا عنها متحولاً . استمد منها تجارب حياته، ونمط عيشه،
وكوّن من مناظرها، وتفاعله معها ثقافته ورؤيته للحياة . عرف نسائمها
ورياحها، وعانى قُرَّها وحَرَّها، وتقلبات جوها، وشارك حيواناتها وطيورها
في البحث عن العيش، فكان منها المستأنس الداجن، والسبع الضاري، فعاملها بما
ينسجم مع طبيعة حياته وطريقته في الإقامة والتَّرْحال، والبحث عن ما يقيم
أوده ويكفيه رزقه ..

ولم يقنع بما يقنع به القوم ذوو الهمم الضعيفة والأفكار المحدودة، بل كان
طمَّاحـًا متطلعـًا، يدفعه في ذلك ذكاء لـمَّاح، وبديهة على اللسان حاضرة،
وذهن متوقد، فهو – كما قال طرفةُ بن العبد :-

أنا الرجلُ الضَّرْبُ الذي تعرفونه *** خُِشَاشٌ كــرأسِ الحيَّةِ المتوقِّدِ

يضاف إلى ذلك عقل يجيد التكفير، ويرسم له خطوات مستقبله القريب في حدود
إمكاناته ومعارفه وتجاربه؛ فكشف عن موهبته في القول والتعبير دون أن يقرأ
في صحيفة، أو يخط حرفـًا. وكان يملك ناصية اللغة، ويمسك بزمام الفصيح، أخذ
ذلك مشافهة من بيئته، فلم يكتف بالتعبير عن حاجات يومه القائمة، بل وظف
لغته القوية الغنية بمفرداتها وألفاظها في قول رفيع وبيان رائع، وتصوير
يأخذ بمجامع القلوب، فاستنبط من وقع خطوات الإبل المنتظمة – وهي تقطع
الصحارى والفيافى – الحُدَاء، وهو أن ينشد للإبل شعرًا موقعـًا منغومـًا
فتطرب وتنشط، فتغذ السير إلى الغاية، ثم تحول حداؤه إلى مقطعات قصيرة
موزونة، وتدرجت هذه المقطعات إلى قصائد كانت نواة للشعر الجاهلي الذي وصل
إلينا منه قدر غير يسير ..

وأتى إلينا هذا الشعر يحمل لغة الصحراء ووصفها وصورها وطوابعها، وبرع في
تصويرها وتمثيلها حتى لكأننا نراها ماثلة أمام عيوننا نقرؤها في كتاب.
وتأصلت منظومة الشعر الجاهلي على أديمها، فعرفنا منها القصائد المطولات
وغير المطولات التي وظفها شعراء الجاهلية في الموضوعات المتنوعة، وتضمنت
آراءهم وأفكارهم ومعانيهم التي تداعب أخيلتهم وعواطفهم وعقولهم، واستمدوها
من بيئة الصحراء ..

وهذا العطاء الشعري المتنوع الذي ولد في الصحراء، ونما في ربوعها، ووصل
إلينا قويّـًا سامقـًا يمثل قاعدة الشعر العربي وأسسه ومقاييسه؛ فالأشعار
التي قيلت في العصور التالية ترسمت خطوات الشعر الجاهلي – ولاسيما الشعر في
العصر الأموي – ووظفت لغته، وكثيرًا من معانيه وصوره ..

فللصحراء فضل لا ينكر في نشأة الشعر العربي، وتدرجه، ثم تطوره وسموقه
وازدهاره. نقرأ الشعر الجاهلي في لغته الرفيعة، وأسلوبه البليغ، وموضوعاته
الغنية المتنوعة، فنعجب لابن الصحراء كيف استطاع أن يمتلك عنان عبقرية
الشعر، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولم يتخرج في مدرسة أو جامعة، وثقافته في
الحياة لا تتعدى ثقافة الصحراء التي منحته هذا القدر الهائل من التفكير
والتصوير والبيان الذي يأخذ بمجامع قلوبنا، على الرغم من مضي ستة عشر
قرنـًا على قرض هذا الشعر الذي نقرؤه وندرسه كما نقرأ وندرس شعر الشعراء
الذي نعيش معهم في عصر واحد ومكان واحد ..



MM.ZAHRAN

محمد زهران
 
 

الْــنِّــقَــاط الْــنِّــقَــاط : 1176
السٌّمعَة السٌّمعَة : 0
الْمَشِارَكِات الْمَشِارَكِات : 465
فلسطين
الــــجـــنــــس : ذكر
العمل : جامعي
الـــهــــوايــــة : السفر
الـــمــزاج : معاكم
وسام الابداع
المشرف المميز
وسام العطاء

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

m3 رد: أثر الصحراء في نشأة الشعر العربي وتطوره حتى نهاية العصر العباسي الثاني

مُساهمة من طرف العيون العسلية في الأربعاء يوليو 20, 2011 1:40 pm

ومن أدق ما وصفت به الصحراء شعرًا قول المُرَقِّشِ الأكبر
1- ودوِيَّةٍ غَبْراءَ قد طال عَهْدُها
2- قطعتُ إلى معروِفها منكراتِها
3- تركْتُ بها ليلاً طويلاً ومنزلاً
4- وتَسْمَعُ تَزْقاءً من البومِ حَوْلَنَا
5- فيصبحُ مُلْقَى رَحْلِهَا حيثُ عَرَّسَتْ
6- وتصبحُ كالدَّوْدَاةِ ناطَ زمَامَها
7- ولما أضَأْنا النارَ عند شِواَئِنا
8- نبذْتُ إليه حُزَّةً من شِوَائِنَا
9- فَآضَ بها جَذْلاَنَ يَنْفُضُ رأسَهُ
10- وأعرَضَ أعلامٌ كأنَّ رؤوسَهَا
11- إذا عَلَمٌ خلَّفْتُهُ يُهْتَدَى به




العيون العسلية
 
 

الْــنِّــقَــاط الْــنِّــقَــاط : 390
السٌّمعَة السٌّمعَة : 0
الْمَشِارَكِات الْمَشِارَكِات : 262
فلسطين
الــــجـــنــــس : انثى
العمل : جامعي
الـــهــــوايــــة : غير معروف
الـــمــزاج : مبسوطة
وسام التكريم

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

m3 رد: أثر الصحراء في نشأة الشعر العربي وتطوره حتى نهاية العصر العباسي الثاني

مُساهمة من طرف العيون العسلية في الأربعاء يوليو 20, 2011 1:41 pm

والمرقش الاكبر بيكون عم طرفة بن العبد،اللي هو بكون من شعراء المعلقات



العيون العسلية
 
 

الْــنِّــقَــاط الْــنِّــقَــاط : 390
السٌّمعَة السٌّمعَة : 0
الْمَشِارَكِات الْمَشِارَكِات : 262
فلسطين
الــــجـــنــــس : انثى
العمل : جامعي
الـــهــــوايــــة : غير معروف
الـــمــزاج : مبسوطة
وسام التكريم

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى